الشيخ محمد تقي بهجت

17

مباحث الأصول

المنتهية إلى الظلم بالنفس والعدل فيها كذلك . وأمّا سائر الأمور الانفراديّة الشخصيّة فقد لا يحرز دخالتها وجودا أو عدما في نظم هذه النشأة ، وقد لا يكون من أهل إعمال العقل النظري ، وإلّا فينتهي الأمر فيه إلى إثبات الصانع وتصديق المخبر عنه بالدليل ، وبسببه يحرز النشأة الآخرة وما يصلحها أو يفسدها . فما ذكرناه فيه جهة امتياز بين حكمي العقل والشرع . وهما - أي العدل والظّلم - قد يكونان خياليّين من جهة الاشتباه الموضوعي من القاطع ، وليس تمام الموضوع فيهما الإحراز ، بل هو مع المحرز ممّا لا دخل له وجودا أو عدما في حفظ النظام . كما أنّ الحكم الشرعي مع معلوليّته للمصالح والمفاسد موضوعه ما في الواقع ، ولا يتنجّز إلّا بإحراز الموضوع والحكم ، والحاكم - شرعا كان أو عقلا - يتصوّر في حكمه بما له من الموضوع واقعيّته ، لا تخيّله ؛ فلا مدح في تخيّل العدل ، كما لا ذمّ في تخيّل الظلم ، كما لا عقوبة من الشروع في تخيّل حرمة ما ارتكبه . نعم ، من تعمّد ارتكاب ما تخيّل حرمته - مثلا - لا يعدّ مراعيا لشيء من القانون الشرعي أو العقلي ، ولا يكون له ملكة رعاية القانونين ولا من المقرّبين عند الشرع أو العقلاء ، ولا يعاملون معه معاملة العادل في الطائفتين ، لأنّ عدالته ليس مجرّد حسن الظاهر ، بل ما يكشف به من الملكة والخوف ، أو مع عدم كشف عدم الملكة والخوف . وهذا لا يوجب كونه مفسدا للاجتماع عاصيا ولا معاقبا من الجهتين ، وانتفاء العدالة لا يستلزم العصيان ، بل قد يقال بزوالها بمنافيات المروّة أيضا .